ما بعد التخرج..
م. علي العيسي
بعد مرحلة من الدراسة التي تعود فيها الطالب سابقاً، الخريج حالياً على روتين
معين ، كان روتيناً جيداً أو سلبياً فالمهم أنه روتين يجعله في دائرة الطالب الذي لا يحدثه أحد سوى عن موعد تخرجه أو معدله الاكاديمي ، وتظل نظرة الطالب محصورة في هذا
الجانب بعيداً عن التصورات التي تأتي أثناء أو بعد تخرجه ، ليتفاجأ الخريج بأنه
انسلخ من مرحلة عاش في ظلها سنين ليست قليلة ، كوّن فيها نفسه وفكره وعقله ،
واكتملت لديه كل الرؤى والأمور التي ستحيط به خلال مستقبل حياته ، هذا إن وجد
جامعة ترتقي به فكرياً ومهنياً، أو سلك طريقه بنفسه باحثاً عنها لوحده أو خرج بلا
هذا أو ذاك ، فخرج نتاج محصلة أيام لم يُتعب نفسه من أجلها ، فخرج ببقايا أصدقاء
قابلهم وأساتذة تتلمذ على أيديهم ، فأخذ منهم ما لقيه من دون تعب وذلك أقلهم مؤونة
للقادم، ليجد نفسه أمام مجتمع لا يرحم الضعفاء، وكل هؤلاء يشتركون في المرحلة نفسها
ويختلفون في كيفية التعامل معها والنظر لها.
التعامل مع مرحلة خطيرة
ومنعطف مهم على الخريج يتطلب بيئة مناسبة تنتشله من أي مستنقع أزمة قد يقع فيها،
فتأثير البيئة التي تتمحور حول الخريج كبير ومن الصعب الفكاك منه بسهولة وحتى وإن
عزل الخريج نفسه بكل ما يستطيع.
أين ستذهب بعد الجامعة؟ ..
هل تفضل العمل مباشرة بعد التخرج؟ .. هل ستنتظر قليلاً للبحث عن فرص أفضل إن وجدت
أصلاً أم تبادر عند أول فرصة تأتي؟ ... هل أنت مصر على مكان معين ولا
ترغب في غيره؟ .. وأخيراً .. هل تملك واسطة؟
تلك قطرة من بحر الأسئلة
التي تنهال على الخريج فور تخرجه من الجامعة، وتأتي بعد تلك الأسئلة التي يجاوب
عليها الخريج بكل انكفاء وتردد، سيل من النصائح التي لا تتوقف إلا بقدر رباني أو
بعزيمة خريج توقف الحديث، ويصبح هنا الخريج شخص غير مهذب.
يصل بحال الخريج إلى باب
مغلق، يجعله يشكك في نفسه وقدراته ويمضي المقربين منه إلى تعزيز تلك الرؤية بدون
قصد أحياناً لعدم فهمهم للواقع الذي تسير به الحياة فضلاً عن واقع الوظائف وطبيعتها.
فترة اللا انتماء تزيد
فجوتها ومدتها تأخذ يوماً بعد يوم في الزيادة، وأصبحت الأيام السابقة تشبه الأيام
التالية، لتجعل الخريج يخرج من قبعة اللا انتماء وينتمي إلى مكان وعمل جديدين حتى
وإن كانا ليسا ضمن تخصصه أو خطته لهدف قادم مستقبلي، فقط للهرب من شبح اللا انتماء أو الهروب من شبح آخر وهو
قلة المادة.
لكن ما يلبث أن وجد نفسه
وسط خط لانهاية له، يجره إلى مكان لا يضمن له تنفيذ ما يرغب من خطط المستقبل
المعروفة، وعند أول منعطف متاح سوف يترك ما بيده ويتحول من الانتماء الوهمي إلى
اللا انتماء الحقيقي.
صحيح أن خرج بتجارب جديدة
لعلها جعلته أكثر وعياً من ذي قبل، لكن قد يبقى في دائرة التيه.
أين الحل؟ هل الحل يكمن في
تكوين رؤية واضحة لما بعد التخرج؟ خط سير محدد وحتى وإن دفع ثمن بطء سيره في هذا
الخط. أرى أن هنا حلّاً وإن كان يحتاج إلى تحمّل.
فالخريج الذي لديه عدة
خطوط يكافح من أجلها، فإن كسب جولته في الخط الأول كان بها، وإلا بدّل من خطته وخطه،
وجعل من نفسه ذات حركه داخلية نفسية تجعله يكافح ما يلقى من محن، السقوط هنا،
يتبعه تقبل فوري ثم النظر إلى مكان آخر، ولا شيء يجعله يعود للوراء سوى الاستفادة
من الأخطاء التي لن يفكر بها سوى عندما يدونها فقط، لأنه سوف يتذكر الحدث السيء
لمرة واحدة فقط وهذا المهم، لا أن يذكر نفسه بشكل متكرر شيئاً مضى وانتهى، فالكتابة
تريح وتحط عن الكاهل ما لا يُقدر استحماله.
خطة الخريج بعد التخرج لو
كرس وقته عليها ولو لمدة طويلة، سوف تختصر عليه في المستقبل وقت كان في طريقه للضياع،
ولا ينظر بعدها لأي خط يقترحه فلان، أو يكترث بسؤال فلان، أو يجعل نفسه فريسة
للذين جعلوا أنفسهم أوصياء من دون طلب مسبق.
ولا مانع أنه خلال تنفيذ
الخطة يكون هناك مرونة في تعديل بنودها، فالحياة تتغير ونظرة الخريج تتسع مع رؤيته
للواقع.
والحياة تستحق مننا أن نتعلم
ولن نتعلم حتى نخطئ يا سادة.
وأما المتفرجون، المتطوعون
لقول النصائح جُزافاً، ليس عليكم تجاه الخريج سوى الدعم فقط، لا اسداء النصائح
التي يعلمها، والتي تصبح على نفسه كطعم المُرّ. أمر النُصح الداعم الواجب شيء
والفضول المتكرر شيء آخر تماماً، فطريقة تفكيرنا مختلفة عن بعض وطريقة رؤيتنا للأحداث مختلفة هي الأخرى لذلك لنقلل من نصائحنا التي قد لا تتسق مع أفكار الخريج قليلاً.
أخيراً، لا يجعل الخريج
نفسه حبيس أوهام سوف تأتي وتكثر مع زيادة المدة دون تقدم وظيفي حقيقي، أو يجعل
نفسه متوقفاً عن التعلم من الخبرات السابقة، فكل تجربة تقديم وظيفية لها فائدة سوف تعود عليه إيجاباً حتى وإن كان في ظاهرها تجربة فاشلة.

الإبتساماتإخفاء